محمد بن أحمد النهرواني
256
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
سهل الإزالة أي وقت أرادوا إزالته أزالوه لأنه كان أقلهم مالا ، وأضعفهم حالا ، وأوهنهم قوة ، فأشاروا إليه أن يتقدم فأبى ، وألزموه بذلك ، فقال : أقبل ذلك منكم بشرط ألا تقتلوني ! فإذا أردتم خلعى من السلطنة فأخبروني بما تريدون وأنا أوافقكم على ذلك ، وأترك لكم الملك وأمضى حيث أريد ، فعاهدوه على ذلك ، فقبل منهم ، وولوه السلطنة ، ولقبوه الملك الأشرف قانصوه الغورى سنة 906 ه ، وفرح العسكر بولايته لأنهم سئموا تعدد السلاطين وسرعة تقضى ملكهم ، وفرح العامة وأمنوا على أنفسهم وأموالهم في الجملة . وكان قانصوه الغورى كثير الدهاء ذا رأى وفطنة وتيقظ ، إلا أنه كان شديد الطمع ، كثير الظلم والعسف ، بخيلا ، محبا للعمارة . ومن جملة عمارته : الجامع والتب بالقرب من بين القصرين بمصر ، وكان في نيته أن يدفن بها ، ووقف عليها أوقافا كثيرة ، وما قدر له دفنه فيها ، بل ذهبت تحت سنابك الخيل وما عرف : وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ « 1 » . وله أثار جميلة في طريق الحج في عقبة إيلياء ، ومأثر بمكة المشرفة وغيرها ، وكان يحفظ حرمه على الأمراء بالدّرية ، والتنزيل معهم في غير التشديد عليهم ، ولإظهار عظمة أوامر ونهى ، وذلك في ابتداء أمره إلى أن تمكن من قوته وبأسه ، واشتغلوا عنه بضرورات أخرى ، وطال معه الجيل إلى أن صار يأخذهم واحدا بعد واحد فيتخافل ثم يحصل جيلة أخرى وعلة أخرى لأحدهم فيأخذهم بها ، ويوقع بين الاثنين ، ويأخذ هذا بذاك ، وذا بذا ، ويدسن لهم الدسائس من الطعام والسم ونحوه ، حتى هو أفنى قرانصتهم ودهاتهم إلا قليلا منهم ، واتخذ مماليكا لنفسه جددا ، واستجلب جلبانا ، وأعد عددا ، وصاروا يظلمون الناس ، ويعاملون الخلق عسفا وعشما ، وصار يتغافل عنهم ويتغاضى لهم ، فأظهروا الفساد ، وأهلكوا العباد ، وأكثروا
--> ( 1 ) الآية رقم 34 من سورة لقمان ، مكية .